ترمب يحظر شركة أنثروبيك: تصعيد أمني وتصنيف كخطر وطني
في تطور لافت يشير إلى تحول جذري في العلاقة بين وادي السيليكون والبيت الأبيض، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الجمعة عن توجيه صارم لكافة الوكالات الفيدرالية بالتوقف الفوري عن استخدام تقنيات شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي. يأتي هذا القرار تتويجاً لخلاف حاد وصل إلى طريق مسدود بين الشركة ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الشراكة بين شركات التكنولوجيا العملاقة والمؤسسات الأمنية.
جذور الصدام بين البنتاغون وشركة أنثروبيك
بدأت الأزمة تطفو على السطح عندما طالب البنتاغون شركة أنثروبيك بتخفيف القيود والإرشادات الأخلاقية المبرمجة في أنظمتها للذكاء الاصطناعي، وتحديداً نظام «كلود». كانت وزارة الدفاع تسعى للحصول على صلاحيات وصول غير مقيد للتقنية لتعزيز القدرات الدفاعية، إلا أن الشركة تمسكت بمبادئها الصارمة المتعلقة بالسلامة، رافضة استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية أو تطوير أسلحة ذاتية التشغيل.
وقد تدخل الرئيس ترمب شخصياً قبل ساعة واحدة من انتهاء المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق، واصفاً موقف الشركة عبر منصة «تروث سوشيال» بأنه «خطأ كارثي». واعتبر ترمب أن ما وصفهم بـ «اليساريين المتطرفين» في الشركة يحاولون فرض شروطهم على وزارة الدفاع بدلاً من الامتثال للدستور، مؤكداً أن القرار النهائي يجب أن يكون بيد الدولة لا بيد شركات تدار بأجندات خاصة.
الأبعاد الاستراتيجية وتصنيف «خطر سلاسل التوريد»
لم يتوقف الأمر عند إلغاء العقود، بل اتخذ وزير الدفاع بيت هيغسيث خطوة غير مسبوقة بتوجيه الوزارة لتصنيف شركة أنثروبيك كـ «خطر على سلسلة التوريد الوطنية». هذا التصنيف، الذي يُستخدم عادة ضد الكيانات الأجنبية المعادية، يحمل دلالات خطيرة تتجاوز الخسائر المالية المباشرة. فهو يضع الشركة في عزلة محتملة ويحذر المقاولين والموردين الآخرين من التعامل معها إذا أرادوا الحفاظ على علاقاتهم مع الجيش الأمريكي.
ويعكس هذا التصعيد تحولاً في العقيدة الأمنية الأمريكية، حيث باتت الإدارة الحالية تشترط الولاء التام والمرونة في المعايير الأخلاقية مقابل العقود الحكومية، وهو ما عبر عنه هيغسيث بوضوح حين قال إن المقاتلين الأمريكيين لن يكونوا رهائن لنزوات شركات التكنولوجيا الأيديولوجية.
تضامن وادي السيليكون ومستقبل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
أحدث القرار هزة في أوساط وادي السيليكون، حيث تجاوزت المخاوف حدود المنافسة التجارية. فقد أعرب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، عن تضامنه مع المنافس التقليدي، مشيراً إلى أن شركته تشارك شركة أنثروبيك نفس الخطوط الحمراء الأخلاقية. كما وقع مئات الموظفين من جوجل وأوبن إيه آي رسالة مفتوحة تحذر من استراتيجية «فرق تسد» التي يمارسها البنتاغون لإجبار الشركات على التنازل عن معايير السلامة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الضغوط الحكومية ستنجح في تطويع شركات الذكاء الاصطناعي، أم أن هذا الخلاف سيؤدي إلى قطيعة تضر بالطرفين. ورغم إلغاء العقود الحالية، لا تزال هناك نافذة ضيقة للتفاوض أو لدخول لاعبين جدد مستعدين لتقديم التنازلات التي رفضتها أنثروبيك، مما قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات التقنية والعسكرية في السنوات القادمة.



